القاضي النعمان المغربي
306
تأويل الدعائم
أو يكونوا ذمة فإن لم يفعلوا ردوا إلى مأمنهم وقوتلوا ، وإن قتل أحد منهم دون ذلك فعلى من قتله تحرير رقبة أودية مسلمة إلى أهله كما قال اللّه جل ذكره ، فهذه جملة القول في الأمان والحكم فيه في الظاهر ، وتأويل ذلك في الباطن أنه أي رجل من المؤمنين من كان منهم مفيدا أو مستفيدا إن خاطب أحدا من المخالفين في ظاهر تجب لمثله المخاطبة فيه من أمر الدين فأراد المخالف منه أن يؤمنه إن هو طلب مذهب الحق من الإعراض عنه ودفعه عن مطلبه ، وذلك كما ذكرنا مثل الهلاك الظاهر فأمنه المؤمن من ذلك لم يكن له أمر الدعوة إلى الحق أن يخفر ذمة ذلك المؤمن وضمانه بل يعرض على من تكفل له بذلك من ظاهر أمر الدين ما يجوز عرضه على الطالبين فإن قبل ذلك أسعفه بما سأله منه وإن أباه لم يعرض له بما يكرهه ، ومن ذلك قول اللّه جل ذكره : « وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ » ويتلو ذلك ما جاء في كتاب دعائم الإسلام أنه إن كان مع المسلمين ذمي في عسكرهم فأمن أحدا من المشركين لم يجز أمانه ، فهذا هو الحكم في الظاهر لأن رسول اللّه ( صلع ) إنما أجازه ذلك الأمان للمسلمين وتأويل ذلك في الباطن أنه لا يجوز مثل ما ذكرنا للمؤمن من التكفل للمخالف لمخالف مثله ؛ ويتلو ذلك ما جاء عن علي صلوات اللّه عليه أنه قال : إذا أومأ أحد من المسلمين أو أشار بالأمان إلى أحد من المشركين فنزل على ذلك فهو في أمان ، وعن جعفر ابن محمد ( صلع ) أنه قال : الأمان جائز بأي لسان كان ، هذا في الظاهر حكم الأمان ، وتأويله في الباطن أن المؤمن إذا رمز بالأمان الباطن للمخالف الّذي ذكرنا رمزا من غير التصريح فطلب المخالف بيان أمر الدين كان ذلك على ما ذكرناه ، وإن لم يصرح له من خاطبه بذلك تصريحا ، ويتلوه ما جاء عن أمير المؤمنين على صلوات اللّه عليه أنه قال : من دخل إلى أرض المسلمين من المشركين مستأمنا فأراد الرجوع فلا يرجع بسلاح يفيده من دار المسلمين ولا بشيء يتقوى به على الحرب فهذا في الظاهر كذلك يجب ، وتأويله في الباطن ما قد تقدم القول به من مراد « 1 » المخالف في المذهب علم ما يجب علمه من أمر الدين لمن أراد الدخول فيه فإذا فاتحه بذلك من تجب له المفاتحة به لم يفاتحه بما يستفيد منه حجة إن هو لم يدخل في الدين واختار الرجوع إلى ما كان عليه والتمسك به ، لأن مثل السلاح كما ذكرنا
--> ( 1 ) مرتاد ( في ى ) .